arablog.org

اليمن والسلام المبتور

ذاكرة الحرب

اليمن قبل الحرب بينها وبين ما حولها فجوة تنموية كبيرة، ما يقارب 50% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر وربما أكثر بحسب ما كان يُصدر من تقارير دولية آنذاك، بُنى تحتية سيئة جداً، أوضاع أمنية غير مستقرة، فساد مستشري على أعلى مستويات، اقتصادياً منهارة، وأشياء كثيرة لا حصر لها هذه هي نتائج عقدين مضت. ماذا عنها حالياً وقد تحوَّلت إلى مسرح حرب قذرة طالت الأخضر واليابس؟ وماذا عن مستقبلها الذي أصبح مرهوناً بنفس الأدوات السابقة؟

أُتخذ قرار الحرب بكل بساطة من قبل الأطراف المنخرطة فيها والآن على وشك إصدار قرار إيقافها ببساطة أكثر أيضاً، وما بين بدايتها ونهايتها يكمن جحيم يدركه الأغلبية الذين شعروا بالمعاناة ولا يدرك من أتخذ القرار شيئاً منه، لأنهم انشغلوا بحسابات الربح والخسارة كالعادة، حتى ضحايا جحافلهم الحمقى غير واردة في حساباتهم، ولا تعنيهم الأعداد التي سقطت من كل طرف بقدر ما يعنيهم ما حققوه من أطماع وتقاسم نفوذ تخدم شخوص ومستقبلهم، لا علاقة لها بأي هدف وطني أو مشروع سياسي يخدم الشعب أو أي شيء آخر كما كان يروَّج كل طرف من أطراف هذه الحرب المجنونة بكل تناقضاتها وما أكثرها.
وبعد ما حدث من بشاعة سيطل كل واحد منهم بخطبة النصر المبين الذي تحقَّق،  كُلاً يشيد بقطعانه التي كانت معول للموت والهدم والخراب، محتفل على جثث الضحايا وركام المدن والقرى التي تساوت بالأرض، دون أن يساورهُ قدراً بسيط من الندم والحسرة على ارتكاب جرائم وفظاعات فاقت توقعات أيّ إنسان على وجه المعمورة. هكذا سيفعل كما أعتاد أن يفعل بعد كل وجبة دماء يقوم بها وكما أعتاد العرب أيضاً على فعله بعد كل هزيمة يلحقوها بأنفسهم.

يلوح بالأفق من خلال التفاهمات الأخيرة، إن أدوات الخراب تتصالح فيما بينها وستعود لبناء قدراتها القتالية من ثروات الشعب كما فعلت خلال العقود المنصرمة، لتصبَّها في ما بعد على رؤوس الأبرياء. إذ لا جديد في المشهد السياسي يدعونا إلى التفاؤل غير أنّ نفس الوجوه تتفاوض للعودة إلى مواقعها السابقة لممارسة نفس المهمة، مهمة تأهيل جيوش من المرتزقة تخدم مصالحها وتقاتل لأجلها. من اللحظة الأولى ستعد العدة والعتاد لحروب قادمة تخطط لها تكون نقطة انطلاقها توقيع الاتفاق الذي سيكون خاتمة لمأساة تُدفن بالحبر والورق دون أن يُحاسب أحدا من مرتكبيها بل يتم تكريمهم ومنحهم ألقاب لا تحصى ولا تُعد، تبجيلاً لدورهم وتُمجيداً لشخوصهم.

كلّما يمكن توقّعه الآن من خلال ما يجري، إن الحرب القادمة برزت معالمها بتفاهمات قوى الخراب نفسها وربما تكون أولى محطاتها في الجنوب! والماثل أمامنا إن الضربات السياسية تتوالى على الجنوب الذي كان حليفٌ صادقٌ للتحالف العربي. بعد كل تلك التضحيات التي قُدَّمها الجنوبيون يشعرون الآن بالقهر من طعنات غادرة تلقوها مؤخرا في الظهر، أربكت المشهد وهزَّت معنويات المقاومة في عدن الذين تحوَّلوا إلى رجال أمن وجيش يخوضون معركة شرسة من أجل بناء مؤسسات الدولة ومواجهة عناصر الإرهاب التي خلَّفته نفس القوى القادمة من الشمال وممارساتها خلال الفترة الماضية. ينظر الجنوبيين إلى الخطوات الأخيرة على الصعيد السياسي أنه مجرد للملمة لتحالف 7/7/1994م بالإضافة إلى الحوثيين وفرضهم قهرياً كحكام على شعب عانى منهم كثيراً وما زال يعاني من آثار جرائمهم إلى هذه اللحظة!

وبهذا الخصوص دار حديث بيني وبين أحد الأصدقاء السعوديين صحفي مهتم بالشأن اليمني بعد سماعه القرارات الأخيرة وقرب ما سمّاه السلام في اليمن قال ليّ: التحالف العربي أنجز مهمته والأمور إلى الأفضل والحلول السياسية قادمة والاستقرار لليمن بات وشيكاً إن شاء الله
قلت: بالعكس الأمور الآن دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وإذا استمرت على هذا الحال دون إشراك الجنوب ممثلاً بقواه الفاعلة على الأرض ودون استجابة لإرادة مجتمعه وإنصافه فهذا يؤسس لحرب جديدة قادمة تكراراً لما حدث في السابق من حرب اجتياح الجنوب، الجديد هذه المرة إن السعودية ستظهر كداعم لقوى الخراب اليمنية على عكس موقفها في 94الذي كان إلى جانب إرادة شعب الجنوب وقضيته العادلة.

قال: نظرتك إلى الواقع تشاؤمية ولا يمكن البناء عليها موقفاً لتكن متفائلاً هذه المرة وأنظر إلى الواقع من زاوية أخرى.
قلت: لست كذلك بل أكثر واقعية منك أنت تنظر إلى الواقع من خلال ما يصوره الإعلام أمّا أنا أعيش الواقع بأدق تفاصيله ونظرتي بناءً على تجارب عايشتها. يا عزيزي دعك مما أقوله وتعال ننظر إلى الواقع من زاوية أخرى كما تريد. أعترف علي محسن أثناء ثورة الشباب بصنعاء إن النظام السابق “حكم الشمال بالاستبداد والجنوب بالاستعمار” طبعاً كان هو الرجل الثاني بهذا النظام وهذا أعترف مهم يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لنبني عليه المواقف. إذاً الاستبداد يعني الظلم والقهر والتسلط من قوى داخلية وهذا ما حدث في الشمال أمّا الاستعمار فمعناه قوى أجنبية تستعمر بلد بقوّة السلاح وتخضعه لسلطانها السياسي والاقتصادي وهذا ما حدث حقيقةً في الجنوب. هذا ممكن أن يكون مدخلاً للحل وعودة الاستقرار إلى اليمن أي تحرير الشمال من الاستبداد وتحرير الجنوب من الهيمنة والاستعمار وعودة القرار السياسي إلى أبنائه وتترك لهم الخيارات بما يخص مستقبلهم السياسي ما دونه يُعتبر تفخيخ للمستقبل وليس حلاً عادلاً أليس كذلك؟
فأجاب قائلاً: لكن القرارات الأخيرة شملت تعيين جنوبيين وهذا يعني إن الجنوب ممثلاً سياسياً؟
قلت: لن أذهب بعيداً سأضرب مثلاً قريب منك، علاء حسين الخفاجي هل تتذكر هذا الاسم؟ الضابط في الجيش الكويتي سابقاً والذي عُيَّن كرئيس للحكومة الكويتية المؤقتة أثناء اجتياح الكويت من قبل العراق هذا كان أيضاً كويتيا! هل كان سيثق الشعب الكويتي بعد كل التضحيات التي بُذلت لتحرير الكويت إن يصبح علاء حسين الخفاجي ممثلاً لهم في حلول سياسية؟ تخيَّل لو إن التحالف الدولي آنذاك فرض هذا الاسم قهرياً حاكماً على شعب الكويت بحكم انتمائه هل هذا يُعتبر إنصافاً لهم وحلاً عادلاً لقضيتهم؟ قضايا الشعوب اختزالها بأشخاص جريمة سياسية وخطأ فادح، الانتماء إلى القضية أهم بكثير من الانتماء إلى الجغرافيا!
بعد ذلك أنهى الاتصال وعلى ما يبدو إنه لم يقتنع بما قلت ولكن هذه هي الحقيقة مهما حاولوا تجاهلها أو حاول البعض نفاقاً إن يساير الأحداث ويتكيَّف معها بنظره تفاؤلية عمياء . سيصدم رعاة هذه السلام الهشّ بالواقع بما إن الحلول المطروحة سياسياً مجرد ترضيات للقوى والقيادات الشمالية وليست حلولاً واقعية ومعالجات حقيقية لجوهر القضايا الموجودة تتعامل بجديَّة مع مطالب أبناء الجنوب وقضيتهم!

بعد إن أدرك أبناء الجنوب مؤخراً ما يحاك لهم في دهاليز السياسة باتوا من الآن يهيئون أنفسهم لمعركة قادمة لا محالة سيكون طرفها المقابل نفس القوى التي اجتاحت أرضهم مرتين تحت مسمَّيات مختلفة في المرة الأولى محاربة الشيوعيين الكفرة  والمرة الأخيرة غيروا التسمية إلى محاربة الدواعش والهدف هو نفس الهدف السيطرة على القرار السياسي والهيمنة الاقتصادية على الجنوب. والخطوات السياسية التي يدعمها العالم والإقليم تحت يافطة السلام في اليمن ترسل لهم إشارات سلبية، إذ أنه سيتم حشرهم بالزاوية ليجدوا أنفسهم مجبرين على مواجهة فُرضت عليهم قسراً وهذا ما يعني عودة إلى الحرب من جديد وقد يطول أمدها هذه المرة بحكم التغيَّرات العسكرية على الأرض.
كان الجميع يتطلَّع إلى سلام شامل وحقيقي في اليمن يؤسس لمرحلة جديدة واستقرار دائم ولكن على ما يبدو إن السلام قد أنحرف عن مساره وتحوَّل إلى قنبلة موقوتة برعاية أممية تزرع في خاصرة اليمن !

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>